نبدأ، بعد حمد رب العالمين، بالترحم على والدنا الدكتور زيد بن محمود بن مبارك العساسفة الحباشنة، نسأل الله – تعالى – أن يغفر له و يرحمه و يعفو و يصفح عنه، و أن يبدله داراً خيراً من داره، و أهلاً خيراً من أهله، و أن يُـنـقّـهِ من الذنوب و الخطايا كما يُـنـقّـى الثوب الأبيض من الدّنَـس، و أن يغسله بالماء و الثلج و البَرَد، و أن يحشره في المراتب العليا مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين، و حَسُنَ أولئك رفيقاً.
أنعى والدي، و أنا لا أدري ماذا يجب أن أكتب! لم أُوضَع سابقاً في مثل هذا الموقف! و لا أراكم الله مكروهاً في أحبائكم، أنعى والدي، بعد نعيي العديد من أصدقائي و أقربائهم في عاميّ 2024 و 2025، أنعى والدي و أنا لا أعلم كيف أنعاه حق النعيّ.
آثرت أن أكتفي بكتابة آخر 24 ساعة في حياته، المليئة بالكثير من الذكريات، بينه و بين ربه، بينه و بين سريرته، بينه و بين أهله و أسرته، الصغيرة و الممتدة، و بين العديد من الأخوة و الأصدقاء الذين شاركوه محطاتٍ عديدة في تلك الرحلة، حامدين الله – تعالى – على ما أصابنا، طائعين لأوامره، شاكرين نَعمائِه، خاضعين لمُلكه، صاغرين أمام جبروته، أوّابين لعظَمته، لا نشرك به شيئاً.
الإثنين، 27-10-2025 19:00:
في منزل والدي في منطقة الرابية، في العاصمة الأردنية عمّان، يصل شقيقيّ المرحوم – بإذن الله -، زياد الأكبر، و سهيل الأصغر عُمراً، ليطمئنوا على صحة الوالد، بعد أن علموا صباحاً أنه واجه مشكلة – ليست بالبسيطة – في صعوبة الأكل، بل و حتى في تناول الدواء، حيث قام أحد أصدقاء الوالد – رحمه الله -، الدكتور أيوب القضاة، بزيارته صباحاً محاولاً مساعدة أبي في تناول الدواء، صديقه موسى، الذي أحضر أسطوانة أكسجين لعلها تساعد على تنشيط الجهاز التنفسي.
يراه زياد و سهيل، و قد علموا أن أخاهم لم يكن في أفضل أيامه، مما حدا بسهيل أن يصر على مكالمة الدكتور محمد الحجّيري، الذي كان يتابع حالة الوالد الطبية في آخر فترة، ليجيب عليه الدكتور بعد وصف ما جرى: أنقلوه للمستشفى الآن.
كان الوالد – رحمه الله – يصر دوماً على تجنب زيارة الأطباء، العيادات، المستشفيات، رغم أنه أُجبر في آخر أيامع على عدة مراجعات حرصاً على صحته، رغم إدخاله مرتين سابقا بدءاً من 26-09-2025، رغم أنه لم يكن يشعر جيّداً حيال نفسه، إلا أنه أحرص ما يكون على أن لا يُقلق من يحيطون به، بل و امتعض من أن سهيل قام بمهاتفة أخيهم الأكبر، عبدالقادر، و إخباره بما يجري!
أصرّ سهيل، و الجميع بعده، على الإلتزام بتوجيه الدكتور، ذهبنا إلى في المستشفى، قاد السيارة سهيل، أبي إلى جانبه، و زياد و أسامة بن زيد في المقعد الخلفي، حتى أن أبي رفض الجلوس في المقعد الأمامي احتراماً لأخيه الأكبر، زياد، و تبعتنا أمي و أختيّ، الكبرى، و الصغرى التي كانت قد وصلت من الولايات المتحدة قبل سُويْعات معدودة.
إلى قسم الطوارئ مباشرة، بدأنا بإجراءات الإدخال، وصلت التعليمات بأن ينقلوه إلى قسم العناية المركّزة فوراً، و قد كان.
بعد أن استقرت الحالة قليلاً، أخبَرَته أختي الصغرى، و التي كان مقرراً أن تخضع لإجراء لطبي في الغد، بأنها ستقوم بتأجيل الإجراء الطبي لوقت آخر، بعد خروج الوالد من المستشفى، إلا أن الرد كان من الوالد بأن يبقى كل شيء على ما هو عليه.
شارف الليل على الانتصاف، غادرنا، عدنا إلى منازلنا، و لنا لقاءٌ في الغد.
الثلاثاء، 28-10-2025 07:00:
// صباحاً //
06:40 أختي الكبرى ترافق الصغرى إلى المستشفى المقرر لإجرائها الطبي.
07:30: أسامة بن زيد يقوم بإيصال ابنته ماريا إلى مدرستها، ثم يتوجه نحو مستشفى العبدلي.
وصلت إلى المستشفى، دخلنا للسلام على الوالد، دقايق معدودة، أتت بعدها “الأخصائية النفسية” لتتكلم مع الوالدة و تذكيرها بالإيمان بالله – عز و جل – و قضائه و قدره، هنا توجّست خيفةً، لم يكن هذا خطابهم، لقد تغيّرت النبرة.
هاتفتني أختي الكبرى و أمرتني بالذهاب إلى بنك الدم و التبرع بالصفائح الدموية حيث أنهم بحاجتها للوالد و من استطاع من الأصدقاء أيضاً، ذهبت مع ابن عمي، ماهر بن عبدالمجيد، همَمنا للتبرع، أخبروني أنه بإمكاني التبرع، و لكن لا يمكن لابن عمي أن يتبرع نظراً لارتفاع ضغط الدم عنده و أخبروه بضرورة مراجعة المستشفى في أقرب وقت، عدنا للمستشفى.
في تلك الأثناء، يبدو أن طبيب الكلى قد زار الوالد، بشعورٍ لا يَسُر ..
// ظهراً //
12:50: أسامة بن زيد بتوجه لجهة التأمين لانهاء بعض الاجراءات الورقية.
13:17: أخي الأصغر يتصل على أسامة بن زيد، أسامة يخبره بأنه سيقوم بمهاتفته في وقت لاحق بعد الانتهاء من بعض الأمور، و علمت بعد ذلك بأنه قد وصل من سفره و توجّه مباشرة إلى المستشفى.
13:55: أسامة بن زيد يأخذ ابنته ماريا، من دوامها المدرسي بعد انتهائه و يعود بها للمنزل، ثم يعود للمستشفى.
// عصراً //
زاره بعض أخوته، أبناء و بنات إخوته، و أبناء عمومته، كان أحدهم عمي سهيل، الذي كان عنده في الغرفة إلى أن حان وقت صلاة العصر، طلب منه والدي إمالة السرير، و خرج من الغرفة، و رآه يتشهّد.
قبل خروجنا، لاحظ البعض بدء “الحازوقة” لدى الوالد، سأله أحدهم، هل تريد شيئاً لتخفيفها، كان رده: كلاً، إنها بسبب ضعف الكلى و وظائفها، كان أبي يعلم ذلك، لدرجة أنه عندما أتى الطبيب بالأدوية و قال له: سوف نقوم بإعطائك الأدوية الآن، فما كان جواب أبي – رحمه الله – إلّا أن قال له: هل أنت مقتنع بما تقول؟
تجمّعنا مع من حضر في استراحة المستشفى لتركه يرتاح قليلاً و تقليل الزحام لديه.
كنت في تلك الأثناء مع ابن عمي ماهر بن عبدالمجيد في قسم الطوارئ استعداداً لإدخاله بعد الارتفاع القياسي في ضغطه الذي علِمنا به صباحاً.
// أصيلاً //
وصل عمي عبدالمجيد، طلب والدي منه اغلاق الستائر، و تخفيض الإضاءة، بدأ بالتعرّق، طلبوا من والدتي مسح وجهه، و غادر بعض الحاضرين الغرفة.
بقي عمي عبدالمجيد و ابن عمي محمود بن عبدالقادر، طلب والدي منهما أن يسنداه، يشهد عمي عبد المجيد بأن والدي كان يردد في آخر كلامه “لا إله إلا الله، و لا حول ولا قوة إلا بالله”، بُرهةً بعد ذلك، اشتد التعرّق، فما كان من عمّي عبدالمجيد إلا أن أتى ببعض المناديل و بلّها بالماء ليمسح على جبينه و صدره، فردّ عليه أبي و قال: و كأنك أكثرت الماء؟
18:10، اتصلت بي أختى الكبرى، و أخبرتني بأنهم قد نزلوا إلى أسفل المستشفى، و أنه بإمكاننا زيارته سريعاً قبل تبديل الطاقم التمريضي، (حيث أنهم يقوموا بإخراج جميع زوار في قسم العناية المركزة في تمام الساعة 18:30).
خرج محمود بن عبدالقادر من الغرفة، و بقي عمي عبدالمجيد لوحده مع أبي – رحمه الله -، تنفس مرّةً، و أتبعها بنفس آخر، مالَ يميناً، و سلّم الروح لبارئه بالمرة الثالثة.
تدخل الطاقم الطبي فوراً و أعلنوا الرمز الأزرق (Code Blue)، و بدأووا محاولات الإنعاش، و استعادة النبض.
18:36: بعد عدة محاولات، نظر الدكتور محمد الحجيري للحضور و قال: لقد توفّي دماغياً.
18:37: تغيّرت ملامح الطاقم الطبي، و ما زالت المحاولات مستمرة، ما بين محاولات إنعاش و صعق، لم نعد نعلم كم عددها تالياً.
18:40، تدخل أحد أقرباء الدرجة الأولى، و صرخ: خلص، خلص، أوقفوا كل شيء، خلص ..
رفعت الأقلام، أوقفت الأجهزة، جفّت الصحف ..
اللهم الرفيق الأعلى، مات أبي، توافد القوم، ودَّعوا زيداً ..
أبي العزيز، رحمك الله، أحبك جداً، و أدام ظلّك و أثرك فخراً و ذخراً لنا ..
أبي العزيز، رحمك الله، أخبرهم أنني لن أكون خيراً منك في هذه الدنيا ..
أبي العزيز، رحمك الله، جمعنا الله و إياكم في جنان النعيم، في حوض نبيّه الكريم ..
أبي العزيز، رحمك الله، و أسكنك فسيح جنّاته، و غفر لك، و تجاوز و سامح و عفى عنك ..
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..


اترك رداً على جهاد عواوده إلغاء الرد