إذا طَلَبت، أُطلب الضعف ..

لست أدري إن كان هذا المقال بداية لسلسة جديدة، أم مجرد تصنيف جديد، و لكن، بناءً على طلب أحدهم، قررت كتابة تدوينة “مفيدة أكثر شوي”، لذلك، سوف أحاول أن أقدم لكم درساً مفيداً، بطابع قصصي خفيف، و أعتقد أنني سوف أذكر أسماء الأشخاص الحقيقية و ليس أي اسم مستعار.

نعود قليلاً لعام 2002، كانت ثورة المنتديات في حينها، خصوصاً نظام الـ vBulletin الشهير، و كان أسامة بن زيد – حفظه الله و رعاه – يملك موقع جزراوي.كوم، الخاص بجمهور نادي الجزيرة الإماراتي، و أول موقع رياضي في الإمارات منذ سنة 1995 عندما كان عمري حينها 10 أعوام، الحمدلله.

المهم، ركّزوا في القصة جيداً، ففيها القليل من الحكمة للمستقبل، و لروّاد الأعمال.

قررنا إقامة بطولة كرة قدم للصالات المغلقة بين أعضاء موقعنا و المواقع الإماراتية الأخرى للأندية، تواصلنا معهم و بدأنا الترتيبات و الإتصالات مع أصحاب المواقع الأخرى الرسمية و غير الرسمية، و من جهتنا، بدأنا التحضيرات اللازمة و الأمور التسويقية و الإعلامية و اللوجستية و التظيميّة.

إحدى النقاط الرئيسية كانت – و هي أحد أهم الأسئلة في كل فعالية – من أين سيكون التمويل؟ أو بالأحرى: من سيكون الراعي؟ و هذا هو محور تدوينة اليوم.

للبحث عن راعي، الموضوع كان أبسط مما أمر به هذه الأيام بحكم بعض العلاقات الشخصية، أعددت ملفاً للتكلفة، يرجى مراعاة إن عمري حينها كان 17 عاماً، و كانت أول مرة أقوم بتنظيم فعالية بهذا الحجم، بطولة يوم رياضي كامل، منذ الصباح إلى نهاية المساء.

كل ما كان مطلوب منّي فعله، هو زيارة الأستاذ طارق بن أحمد المسعود، و الذي كان حينها عضواً في مجلس إدارة شركة المسعود للسيارات.

أسامة بن زيد: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، مرحبا أستاذ طارق.

طارق المسعود: يا مرحبا و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، كيف الحال؟

أسامة بن زيد: الحمدلله تمام.

طارق المسعود: ها شو الجديد عندك؟

أسامة بن زيد: والله عندنا بطولة بين المواقع قاعدين نحضّرلها و بدينا نشوف رعاة.

طارق المسعود: و تشوف رعاة ليش و أنا موجود؟ كم المبلغ إللي تباه؟

أسامة بن زيد: حسبناها و طلعت 7,000 درهم ..

طارق المسعود: بكرا تمر المكتب في برج المسعود عند سامر بستاني و بتحصّل الشيك جاهز!

أسامة بن زيد: شكراً جزيلاً أستاذ طارق على سرعة الموافقة!

طارق المسعود: أفا عليك، عزيز ولد عزيز.

في اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب مجموعة المسعود، إلتقيت مع الأستاذ سامر بستاني، و الذي بالرغم من ذهابي مبكراً لمكتبه، إلا أنه كان يملك فكرة عن الموضوع و بقي فقط التوقيع على الشيك بانتظار السيد هومايون عَلَم. (على الهامش: هوماين علم كان حرفياً من الأشخاص الذين تستعين بهم شركة نيسان في تصميم سياراتها و تصاميمها نظراً لخبرته الطويلة جداً في سيارات نيسان)، جاء السيد هومايون و عرّفني بنفسه و عرّفته بنفسي، أخذت الشيك، و تمنى لنا التوفيق في البطولة!

أثناء التحضيرات، اجتمعت مع الأستاذ حسن نصّار، كان حينها مدير قسم التسويق في نادي الجزيرة، و ناقشنا بعض الترتيبات، في أثناء هذا الإجتماع، سألني عدداً من الأسئلة عن الاستعدادات و التحضيرات، و التي بدأت تُظهر بعض الأمور التي لم أكن قد حسبت حسابها، مثلاً، من ضمن الميزانية، وضعت تكريماَ للحكّام و تقديم هدايا عينيّة لهم، قال لي الأستاذ حسن: هم يحتاجون النقد أكثر من الهدايا، فاضطررت، إلى إضافة مبلغ للحكام، مثال آخر، إضافة ماء للشرب! مثال آخر آخر، إضافة درع تكريم للراعي، (حرفياً شراء درع تذكاري له من أمواله! ما هذا!)، عملية موازية لشراء ابنك أو ابنتك هدية لك من أموالك 😁.

حسناً، It was at this moment that I knew I f****d up!

لقد بتنا بحاجة 7,000 درهم إضافية! ما الحل؟ أكيد زيارة أخرى للأستاذ طارق بن أحمد المسعود!

أسامة بن زيد: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

طارق المسعود: و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، ها بشّر وين وصلتوا؟

أسامة بن زيد: والله يا أستاذ طارق عدّلنا شوي على الترتيبات و انتبهنا لبعض الأمور، و الحين بحاجة 7,000 درهم إضافية.

طارق المسعود: لا، لو ييتني (جيتني) من الأول و طلبت 70,000 درهم بدل 7,000 درهم، بقولك حاضر، بس الحين لا، هاذي مسؤوليتك تكون مرتب أمورك و عارف شو إللي تبيه.

أسامة بن زيد: بس (جيت ببرّر و أشرح بعض الأمور).

طارق المسعود: أسامة، هاذي مسؤوليتك!

أسامة بن زيد: تمام أستاذ طارق.

طارق المسعود: موفقّين يا رب، و بانتظار شغل مرتّب و يليق فيكم و في الاسم.

المهم، تصرّفت في راعي إضافي، و عملنا البطولة و كانت جميلة جداً، الحمدلله يا رب على جميع النّعم.

هل تعتقدون أنني تعلمت الدرس من أول مرة؟ مستحيل، كلا! كررت الخطأ بطريقة أخرى مع ضرر أخف، أثناء الدراسة الجامعية في عام 2005، حيث أقمنا أنا و الأخ القائد الرفيق الثابت الصامد أسامة فواز الجبر منافسة بين جامعات الدولة لأفضل دراسة جدوى لمشروع طلابي، كانت برعاية صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر بن محمد القاسمي، وليّ عهد إمارة رأس الخيمة، قبل أن يصبح حاكماً لها في عام 2010، و منها تعلّمنا أنه يجب وضع بنود إضافية، منها مثلاً مصاريف لفريق التنفيذ، حتى لو كانت عملاً طلابياً تطوعياً، وقتنا و جهدنا لا يجب أن يتم بذله بالمجّان!

خلاصة الدرس: عندما تطلب ميزانية لمشروع أو تحضيراً لفعالية، دائماً أضف مبلغ للطوارئ و للأمور الأخرى التي قد تكون سقطت سهواً، خصوصاً عندما تكون لا تملك الكثير من الخبرة في هذا المجال، و وزّع المبلغ على بنود المصروفات، مثلاً، إذا كنت بحاجة 10,000 درهم لاستئجار المكان، ضع 15,000 درهم ضمن الميزانية، إذا كنت بحاجة 5,000 درهم للمتطوعين، أضف 20% للمبلغ، قد تحتاج لبعض الأشخاص الإضافيين أو حتى أن تصرِف فارق المبلغ في بنود أخرى، و هكذا.

نصيحة إضافية: في المشاريع التي تحتاج تأسيس شركات جديدة، و ليست مشاريع أو فعاليات اليوم الواحد أو ذات الفترة المحدودة، أضف رسوم إدارية تقديرية للميزانية، و أيضاً صندوق للطوارئ (Contingency Fund)، سواءً 20,000 درهم أو حتى 250,000 درهم! قد تتغيّر بعض القوانين أو التشريعات في الدولة، أو تحتاج صرف بعض الأمور الإضافية، فالأفضل وجود صندوق طوارئ لمثل هذه الحالات التي قد تطرأ فجأة! بدلاً من أن تبحث عن شريك إضافي أو حتى أن تطلب ضخ نقدي من الشركاء الحاليين.

معلومة جانبية: هل تعلم لماذا تجد في بعض الوزارات و الدوائر الحكومية في العديد من الدول، الكثير من المشاريع يتم تنفيذها في الربع الأخير من العام، و أحياناً بتعهيد (تعيين) مباشر دون الدخول في مناقصات؟

الجواب المختصر: لصرف فائض الميزانية قبل نهاية العام.

الجواب المطوّل: في الوزارات و الدوائر الحكومية، دائماً تضع تلك الجهات فائضاً مالياً لها احتياطياً لمشاريع أو فعاليات أو حتى كوارث قد تحدث خلال العام، فمثلاً، و الأرقام بغرض التوضيح و ليست حقيقة، قد تجد دائرة الأشغال تطلب ميزانية سنوية من الحكومة بمقدار 2,000,000,000 (2 مليار درهم)، فعندما يأتي شهر أكتوبر، تجد أنه ما زال هناك فائض في الميزانية بمقدر 100,000,000 (مائة مليون درهم)، في حال عدم صرفها، تقوم الحكومة بتخفيض التخصيص لها في العام المقبل، بحيث تصبح ميزانية العام القادم 1,900,000,000 (مليار و تسعمائة مليون درهم)، و ذلك بسبب: لقد استطعتم إتمام عملكم بهذا المبلغ، فلا داعي لتخصيص 100,000,000 (مائة مليون درهم) في الميزانية القادمة لكم.

لذلك: تقوم دائرة الأشغال بصرف المبلغ كاملاً قبل نهاية العام، فتجدهم يقومون بأعمال إصلاح لبعض الشوارع أو الجسور أو حتى شبكات الصرف الصحي، بحيث يقوموا بصرف الميزانية كاملةً، و مِن ثم يطلبون رفع المخصصات في العام الذي يليه، بدلاً من تخفيضها.

حاول أن تستفيد من تلك المعلومة في جوانب أخرى من حياتك أيضاً ..

قصة طريفة مرتبطة بموضوع التدوينة: أثناء عام 2003، استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة بطولة فيفا كأس العالم للشباب، من عادة هذه الاستضافات، أن تقام مباراة ودية بين فريق وفد الفيفا ضد فريق اللجنة المنظمة المحلية، كان رئيس اللجنة المنظمة المحلية آن ذاك سمو الشيخ سعيد بن زايد آل نهيان – رحمه الله -، و الذي كان يشغل سابقاً رئاسة نادي الوحدة، و هو النادي المنافس لنادي الجزيرة، المباراة أقيمت على ملعب نادي الجزيرة، و بعد انتهائها، أردت أن ألتقط صورة تذكارية للشيخ و هو يحمل القميص المخصص لفريق موقعي، موقع نادي الجزيرة، فببساطة قلت للشيخ: ممكن ترفع القميص لو سمحت عشان أصوّرك فيه؟ فرفع القميص، و صوّرته، و كذلك قام عدد من الصحفيين المتواجدين في المباراة بتصوير القميص، لتقوم صحيفة بنشر الخبر في اليوم التالي: سعيد بن زايد يكشف عن الطقم الجديد لنادي الجزيرة! و صحيفة أخرى تنشر خبراً بعنوان: المسعود للسيارات راعياً رئيسياً لنادي الجزيرة! مما تسبب في أزمة بيانات صحفية سواءً من عدة أطراف لنفي كل تلك الأخبار، و أن الصورة كانت مخصصة فقط لفريق الموقع! 😀😀

المهم، الصورة التالية هي الصورة التي تسببت بالأزمة ،، الشيخ سعيد بن زايد آل نهيان – رحمه الله – 18-12-2003:

شاكراً للأهل و الأصدقاء مشاركتهم برأيهم في تدويناتي على الواتساب أو الفيسبوك، سأكون سعيداً أكثر لو احتفظت بهم في التعليقات هنا، علّ و عسى أن نعود لها بعد مدة 🙂.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

رد واحد على “إذا طَلَبت، أُطلب الضعف ..”

  1. الصورة الرمزية لـ Habashneh
    Habashneh

    الإعلاميين شافوا القميص … خبر عاجل 🔥🔥🔥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *