رقم الجلوس 20430 ..

,

تعود أحداث هذه القصة إلى سبتمبر 2002، في الصف الثالث الثانوي (التوجيهي)، بدأ العام الدراسي كمثل أي عام دراسي سابق، سوى أنها هذه المرة قد يكون آخر عام دراسي مدرسي في حياة أسامة بن زيد، و قد كان، كان ذلك في مدرسة ربعي بن عامر، و التي تم هدمها لاحقاً لبناء جامعة خليفة في منطقة المرور في أبوظبي.

كنت قد درست الصف الأول ثانوي و الثاني ثانوي في نفس المدرسة، و لكنني كنت من الطلبة المميزين جداً، خصوصاً في فن خلق الإثارة و المشاكل، عل و عسى أن نشارك بعض القصص لاحقاً إن أمكننا، المهم، عندما بدأ العام الدراسي 2002-2003، لم يمضِ سوى أسبوعين فقط، حتى تم نقلي نقلاً تأديبياً إلى مدرسة خليفة بن زيد في منطقة المشرف في أبوظبي.

لا أعلم من أي أبدأ تحديداً، ليس لكثرة الأحداث فقط، بل لعشوائيتها أيضاً، على سبيل المثال:

  1. مدرسة خليفة بن زايد كانت تحمل سجل نتائج غير جيد في الثانوية العامة، فكان يجب تغيير مستوى المدرسة، و خصوصاً و أنها تحمل اسم ولي العهد آن ذاك.
  2. مدير المدرسة كان الأستاذ عبدالله زين العطاس، و قد كان لاعب تنس طاولة سابق في نادي الجزيرة (حيث كان يعمل والدي).
  3. وكيل المدرسة كان الأستاذ نبيل شعلان، و قد كان لاعب كرة قدم سابق أيضاً في نادي الجزيرة.
  4. بعض أصدقائي الأعزاء كانوا في نفس المدرسة، مثل محمد طارق الحوسني و ابن عمه محمد عبدالعزيز الحوسني.
  5. مدير المدرسة قام بإجراء تعديلات على المدرسة، فهي لم تكن تحتوي على مقصف عادي مثل باقي المدارس، كان تحتوي على ردهة مطاعم، ممشى، على اليمين و اليسار، معلمّين، ليس للتدريس، بل معلمّين شاورما و بيتزا و همبرجر و عصائر 🤣🤣، هذا غير مرافق المدرسة السابقة من مختبرات حديثة و صالة رياضية أولمبية كاملة.
  6. غرفة ألعاب، تحتوي طاولات تنس طاولة (تخصص المدير، و الذي كان بطلاً للإمارات و الخليج و وصيفاً لآسيا قبلها ببضعة سنوات)، أجهزة بلايستيشن، و ألعاب أخرى، و التي يذهب لها الصف في حال غياب المدرس، و ليس مثل باقي المدارس حيث كان يأتي أستاذ آخر ليستحوذ على الحصة و يشرح مادته.
  7. مدرسة ربعي بن عامر التي كنت بها سابقاً، كانت تحتوى في الصف الثاني ثانوي (علمي) على سبعة شعب، عدد المواطنين الإماراتيين بهم 4 فقط، مدرسة خليفة بن زايد كانت تحتوى في الثالث ثانوي (علمي) على 6 وافدين/مقيمين فقط.
  8. العديد من طلاب المدرسة كانوا يأتوا بسياراتهم الخاصة إلى المدرسة، و هنا أقصد سياراتهم الخاصة (و بدون رخصة قيادة)، و ليس سائقهم الخاص أو سائق المنزل.
  9. في نفس العام الدراسي كانت انتخابات مجلس النواب 2003 في المملكة الأردنية الهاشمية.
  10. في نفس العام الدراسي كانت القوات الأمريكية تزحف للعراق لإسقاط الرئيس العراقي صدام حسين.

في أول يوم دوام في المدرسة الجديدة، والذي كان بعد أسبوعين من بدء العام الدراسي، دخلت الصف و جلست في الخلف، دقائق فقط و كانت شرارة أول مشكلة لي في المدرسة، مع أحد الطلاب السوريين، كان كل خمس دقائق يلتفت و ينظر إليّ و كأنه ينظر إلى شخص لا يعجبه، بعد عدة إلتفاتات، سمع إللي فيه النصيب و الذي نعتذر عن ذكره الآن تجنباً لخدش الحياء العام 😀😀.

إلتفت عليّ عدد من طلاب الصف، بعد أن “فقعوا” من الضحك، و أخبرني أحدهم: تراه ولد أستاذ الكيمياء، ناديت على الطلاب مرة ثانية، و سألته: هل فعلاً والدك أستاذ الكيمياء؟ أجاب: إيه أبي هوّي إستاز الكيمياء، فكررت ما أسمعته سابقاً 🤣🤣.

من المواقف الطريفة، دخل علينا مدرس الأحياء، أثناء الحصة، لمح أحد الوجوه الجديدة، نظر لذلك الوجه و قال: أسألك بالله بدون ألعاب نارية في الصف و بدون مشاكل كبيرة خلي السنة تعدّي على خير، نعم عزيزي القارئ، كان ينظر إليّ 😀😀، و كان قد درّسني في الصف الأول ثانوي في مدرسة ربعي بن عامر.

من المواقف الطريفة أيضاً، أثناء حصة اللغة العربية في اليوم الأول، دخل المدرس و بدأ بشرح الدرس و كان عن أوزان اﻟﺘﺼﻐﻴﺮ، ﻓـُﻌَﻴﻞ، ﻓـُﻌَﻴﻌِﻞ، ﻓـُﻌَﻴﻌﻴﻞ، و واضح إنه أستاذ له هيبة بصراحة و احترام و نظرته أصلاً كلها عصبية (طلع أردني)، نغزني أحد الطلاب و قال لي: أسامة ياخي إسأله عن تصغير كلمة: سفّاح! بكل ثقة، رفعت يدي، أستاذ، شو تصغير كلمة سفاح؟ ناظرني و سألني: إنت جديد في الصف؟ أجبته أجل، سألني: إنت جديد في المدرسة؟ أجبته: لهاذي الدرجة واضح عليّ؟ ناظرني و قال لي: تصغير سفاح هو سُـفَـيْـفـح (و قال تصغير آخر لا أذكره الآن)، و ضحك الأستاذ ضحكة انتصار خفيفة!

بعد انتهاء الحصة، ارتفعت أسهمي في الصف بطريقة غريبة، لأكتشف أن “السفاح” هو لقب لهذا المدرس الذي ليس للطلاب الجرأة على مواجهته أو حتى المزاح معه، إلى أن أتى أسامة بن زيد و سأله عن تصغير لقبه بكل ثقة!

قبل أن نتجاوز عن العديد من التفاصيل و القصص حتى نصل لفترة الإمتحانات، تذكرت طرفة سريعة، في أثناء حصة الجيولوجيا، كان معنا أحد الطلاب من الجنسية العمانية أهوجاً قليلاً (اعتبروه: بَلا مخ، أفضل من أهوج)، و كما قال الكفّار: Out of Nowhere، سأل مدرس الجيولوجيا الأستاذ العراقي خالد الدليمي (لاحظوا أننا ذكرنا سابقاً أنها قد بدأت معركة الفلوجة و الزحف لبغداد في نفس العام الدراسي و المنطقة مشتعلة)، المهم، الطالب سأل الأستاذ: أستاذ، عندكم سلاح نووي؟ 🤣🤣، الصف كله انبهر من السؤال و بدأ يكتم الضحكة احتراماً للمدرس، نظر إليه المدرس، ثم تنهّد و قال له بكل برود: إنتوا في عُمان عندكم بصل نووي؟ 🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣.

المهم، وصلنا للاستعدادات النهائية، و هنا تم الإتفاق بيني و بين الوالد – رحمه الله – على أنه في حال كانت علامتي 95% فسوف يشتري لي سيارة هدية، بيجو 206 كشف، و التي كانت للتو مطروحة في الأسواق الإماراتية، و في حال كانت علامتي 85% فسوف يشتري لي لابتوب هدية.

شوفوا يا جماعة الخير، أنا مش تبع دراسة و مش تبع 95%، رحم الله امرءٍ عرف قدر نفسه، التركيز كله كان على 85% 😁.

أحد المدرسين المخلصين كان أستاذ الكيمياء الذي تلاسنت مع ابنه، الأستاذ القدير فهد الدبك، رحمه الله حياً كان أو ميّتاً، كان قد بذل جهداً كبيراً في التنسيق مع المدرسين الآخرين حتى يصنع لنا جدولاً مخصصاً لدراسة المنهج كاملاً لجميع المواد و الاستعداد للإمتحانات خلال إجازة الشهر الذي يسبق الإمتحانات، و هي الإجازة التي كانت تمنحها وزارة التربية و التعليم للطلاب بين إنتهاء الدراسة و بدء الإمتحانات.

الجدول كان عبارة عن أربع صفحات، كل صفحة تغطي مدة أسبوع، تم تقسيمها لكل يوم، و كل يوم تم تقسيمه لأربع فترات، كل فترة تحتوي على إرشاد: ماذا تدرس، مثلاً: الأسبوع الأول، يوم السبت، الفترة الأولى، تدرس الوحدة الأولى و الثانية من المادة الفلانية، الفترة الثانية، تدرس الوحدة كذا و كذا من المادة الفلانية، و هكذا، مع وجود أوقات للصلاة و الأكل و الاستراحة.

هنا بدأت فعاليات أسامة بن زيد، فكما تعلمون، هذه المرحلة في نظر الأهل و المجتمع هي أهم مرحلة دراسية، و يجب على الشخص التركيز فيه حيث إنها، و لدرجة معينة، تحدد مستقبل حياتك، و فوق كل هذا يجب عليك التعامل مع ضغط الأهل اليومي في فترة الإمتحانات حتى لا تفقد تركيزك في تلك الفترة.

تأثرتوا بالفقرة السابقة؟ حسناً، لم يحدث أي شيء من ذلك! بتاتاً، العائلة الكريمة سافرت للأردن! و تركوني وحيداً في أبوظبي! دبّر نفسك!

أنا في أبوظبي، كل يوم أمام شاشة التلفاز لمتابعة أخبار العراق، و على الهاتف مع العائلة للإطلاع على استعداداتهم لانتخابات مجلس النواب و التي ترشّح لها أحد أعمامي.

على كل حال، قررت البدء في الدراسة، نظرت إلى الجدول الذي أعده الأستاذ فهد الدبك، انتبهت أنه كان لمدة شهر، و أن الوزارة أعطتنا إجازة مدتها شهر و عشرة أيام للاستعداد، ماذا سوف نفعل في العشرة أيام؟ معروفة، سوف نلعب! و قد كان.

نظرت مرة آخرى إلى الجدول بعد انقضاء العشرة أيام، و قلت: ما زال هنالك وقت، و مضى أسبوع!

نظرت مرة آخرى إلى الجدول بعد أن تبقى ثلاثة أسابيع، و قلت: هذه الوحدة بسيطة، هذه المادة بسيطة، هذه أذكرها من إمتحانات الفصل! وجدت نفسي حاذفاً نصف الجدول!

تبقى أسبوعين فقط، ماذا سوف نفعل؟ سوف نزعج الزملاء و الأصدقاء، اتصلت على صديقي محمد طارق الحوسني، ياخي، كيف الأمور معاك؟ والله يا بن زيد قاعد أدرس بس مب وايد، ياخي، سجّلنا فيزياء و رياضيات عند مدرس خصوصي؟ فوقها؟ يلا؟ تمام؟ تمام، و بعد كيمياء عند نفس مدرسنا عشان يشرحلنا وحدة الكيمياء العضوية.

فعلياً، الشهر و عشرة أيام، لم أدرس بهم سوى مادتيّ الرياضيات و الفيزياء، و وحدة الكيمياء العضوية فقط، فقط!

انظر إليّ جيّداً، هذا شكل واحد يستعد للـ 95% أو 85% أو حتى للنجاح في إمتحانات الثانوية العامة؟!

بدأت الإمتحانات، و كان الجدول كالتالي:

03:00 الاستيقاظ و بدء الدراسة.

08:00 الإنتهاء من الدراسة.

08:10 الذهاب للمدرسة.

08:30 بدء الإمتحان.

11:30 تقريباً الإنتهاء من الإمتحان.

12:00 الذهاب إلى مقهى الإنترنت (لأن الوالد غيّر الكلمة السرية لكمبيوتر المنزل).

14:00 الغداء في المنزل.

14:30 مضيعة وقت، مطالعة تلفزيون، قراءة الجريدة، حل كلمات متقاطعة!

22:00 النوم.

03:00 الاستيقاظ و بدء الدراسة، مجدداً.

عزيزي القارئ، باستثناء الفيزياء والرياضيات، لم أذهب لأي مادة و قد كنت درستها كاملةً، ولا مادة، كنت أدرس ما استطعت، و أهمل آخر وحدة أو وحدتين من الكتاب، و أقول لنفسي، سوف أقوم بحذف أكثر سؤال فيه خسارة للعلامات، كنت مشغولاً بتقييم الخسائر أكثر من الدراسة نفسها.

من المواقف الطريفة، كان امتحان الأحياء، كان أصعب إمتحان في حينها، و أقل علامة لدي، و الوحيدة التي كانت في السبعينات أصلاً، أذكر أنه حتى المدرسين خففوا القيود من باب الغش الخفيف، لكن لم نجد من كان يثق في أجوبته أصلاً، صديقي حسن موسى، و بعد 10 سنوات، استحضر تلك اللحظة في تاريخ الإمتحانات بالتغريدة التالية، و التي أستطيع القول الآن أنه مرّ أكثر من 23 عاماً عليها:

أحياناً تمر على الإنسان بعض العبارات التي تبقى راسخة في عقله لسنوات طويلة جداً، إحداها كانت من مدرس التربية الإسلامية، و الذي قال لنا في إحدى الحصص أنه من علامات الساعة الصغرى أن يقل علماء المواريث في الأمة، امتحان التربية الإسلامية كان آخر إمتحان لنا في الثانوية العامة، و قد كانت المادة الوحيدة التي كنت واثقاً من علامتي بها، متأكد أنني أجبت على جميع الأسئلة بطريقة صحيحة، باستثناء ثلاثة أسئلة (علامة لكل سؤال)، و قد كانت الأسئلة المتعلقة بحساب المواريث، لم أبذل أي جهد في المسائل، كل ذلك فقط بسبب جملة المدرس أثناء شرحه للدرس.

انتهينا من الإمتحانات، اتصلت على والدي، و سألته عن الكلمة السرية للكمبيوتر، سألني كيف كان الإمتحان؟ قلتله بسيطة بسيطة المهم الكلمة السرية، شاركني بها، و للمنزل، و الحمدلله – تعالى – على جميع النعم.

عاد الوالد من الأردن بعد الإنتهاء من الامتحانات بحوالي ثلاثة أيام، في حينها كان هناك خدمة جميلة من شركة إتصالات، نقوم بإرسال رقم الجلوس لرقم معين لديهم، و عند صدور النتائج يقوموا بإرسال رسالة نصية لنا بالمعدل.

خلال أسبوع فقط، و أثناء ذهابي لإعداد قهوة والدي في المطبخ، وصلت رسالة نصية قصيرة على هاتفي محتواها: مبروك! صاحب رقم الجلوس 20430 ناجح بمعدل 84.7%.

نظر إلى والدي و قال لي: مبروك، روح إعمل القهوة، سألته: و اللابتوب؟ رده كان: إتفاقنا كان 85%، توكل. و بس! انتهت القصة!

المهم، الصورة التالية هي إخطار رقم الجلوس و مقر الإمتحان، ما زلت محتفظاً بها حتى اللحظة.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *