إذا بلغ الأربعين

نبدأ بحمد الله رب العالمين، و الصلاة و السلام على رسوله الكريم، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، النبي الهاشمي المنافي العربي الأمين، أما بعد، ها و قد بلغنا من العمر أربعون عاماً ميلادياً، و لم يتبقَّ لنا الكثير في هذه الحياة، آن لنا أن “نُحدّث”، بما تيسّر من الحكمة، و الموعظة، و القليل من الدعابة ..

و أنا على سرير المهد، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 1986.

في إحدى المكالمات خلال شهر سبتمبر 2025 مع الصديق محمد همداني (بو مروان)، كنت أهنئه بمناسبة عيد ميلاده الثالث و الأربعين، فسألته: بما إنك أصبحت من الخبراء في الأربعينات، هاتِ ما عندك من نصائح بما إننا مقبلون على الدخول في العصر الأربعيني! فكان جوابه: ما أعرف شو أقولك ياخي، بس هو كذا و كذا و كذا ،، فلاحظت إن العديد من تلك الصفات قد تملّكتني قبل الأربعين، وا فرحتاه! أيام بسيطة و تبعها اتصال من الأخ القائد الرفيق الثابت الصامد أسامة فواز الجبر، طالباً نصيحتي بعد أن دخل سن الأربعين بعدي بفترة وجيزة، فقلت له: لم ألحق، دخلت الأربعين و توفيّ والدي – رحمه الله – في نفس الفترة، دخلت الأربعين من أوسع أبوابه.

لم أجد في يوم الجمعة (أثناء كتابتي هذه التدوينة)، أفضل من وَصْف عُمر الأربعينات بـ: “الكهف، اختيار لا هروب!” ..

هو كهف تدخله باختيارك، و تتغير فيه الكثير من أفكارك، صفاتك، و تصرفاتك، ليس بالضرورة بعمر الأربعين تحديداً، فقد يكون قبلها بقليل، أو بعدها بكثير للبليدين! في هذه الكهف، تختار ماذا تفعل به، من يبقى معك، ماذا يبقى معك؟ كيف تكمل الرحلة؟ متى تخرج منه؟للكهف.

كأصحاب الكهف إن جاز التعبير، هم لجؤوا إلى الكهف بُعداً عن الشرك، و أنت تلجأ إلى هذا الكهف ببُعداً عن سخافات المحيط.

يقول الله – عزّ و جل -:

{… حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الأحقاف:15).

اللهم إنا نشكر نعمتك علينا و نسألك قبول أعمالنا و قبول التوبة، مِمّا علِمت و مِمّا لم أعلم!

و كذلك، آن لنا – إن أردنا – أن نحدّث! أوتينا من العلم في 40 عاماً ما يعين على أن نحدّث، بما نعلم على الأقل، كانت البداية بـ “فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ..” و لا ندري ما القادم.

الزمن في الكهف لا يساوي الزمن خارجه!

بعد غفلة مدتها 40 عاماً، تعيد مفهوم الزمن، تستيقظ غريباً! عن كل ما يحيط بك! لا الأرض أرضك، ولا الجوّ جوّك، و لا حتى الزمان زمانك! آمن بهذا، حتى تسهل عليك باقي الأمور، لست بحاجة أن تعيش زمانك و زمان غيرك، كلا، كلا، ليس كذلك الأمر، يجب أن تتحول من “لست بحاجة أن تعيش زمانك و زمان غيرك” إلى “لا أهتم بزمان غيري، ولا حتى بزماني إن لزم الأمر”، يكفي أن تكون سعيداً في هذا الكهف!

الكهف ليس للنوم، بل بعثٌ جديد!

تحتاج أن تعيد تعريف معنى النجاح، على جميع الأصعدة المحيطة بك، أو على الأقل، الأصعدة التي اخترت أن ترافقك في هذا الكهف، التصالح مع الماضي و إيمانك بعدم القدرة على تغييره، تقبّل المحيط الحالي حتى اشعار آخر، تحديد ما تود فعله في العشر سنوات القادمة – إن استطعت – 😁.

و أنا على باب الكهف، بلغراد، صربيا، 2016 ..

لا أريد أن أكون أكثر، أريد أن أكون أقل!

تزول الرغبة في أن تكون أكثر من يذهب و يأتي، و تصبح: أنا قاعد مرتاح تعال إنت!

تزول الرغبة في أن تكون أكثر من يحصل على إنجازات، ما زال لديك اهتمام بالإنجاز، و لكن بالنوعية، و ليس بالكمية ..

تزول الرغبة حتى في تجربة أصناف طعام جديدة، لا مانع لديك من تكرار نفس الصنف كل يوم! (الحمدلله – تعالى – على جميع النّعم -) ..

تزول خلاقك و أخلاقك بصفة عامة أصلاً يا شيخ 😃 ..

ماذا قال ياسر التويجري؟

هل سألت نفسك؟

ماذا خسرت لتصل إلى هنا؟

ما هي أجمل ذكرى في حياتك؟
من خرج من حياتك دون مقاومة؟
ما الشيء الوحيد الذي لم يتغير فيك؟

هل حققت ما كنت تتمنى في طفولتك؟

نبتعد قليلاً عن الجانب الدرامي، هل يبدو لك أنني مهتم؟

لا آبه حقاً بمن يحبني و من لا يحبني، بلغت مرحلة في حياتي يصعب فيها إثارة إعجابي، و حتى انزعاجي أحياناً، بلغت الأربعين، و كلما تقدم بي السن، يزداد شعوري باللامبالاة! أنا لا مبالي منذ صغري في العديد من أمور حياتي، فما بالكم الآن! يُولع الكوكب! كل ما عليك فعله هو أن تكون مُمتناً لمروري بحياتك!

و كما قال الشاعر: زعلك ما هو ذنب ندخل به النار ،، و رضاك ما يفتح لنا باب جنة!

هل تعلم ما هو أسوأ شيء ممكن أن يحدث؟

آلام الرقبة و الظهر و الركبة و إنت نائم في الكهف، أمزح أمزح! أسوأ ما يمكن أن تحظى به بعد سن الأربعين، هو أصدقاء في السن ذاته (و أبناء عم مخابيل)! الأصدقاء في سن الأربعين و ما بعدها مختلفين! و أحياناً متخلّفين! لأنه مهما كان قرارك غبياً، فسوف يدعمونك و يسايرونك فيه، بصرف النظر عن أي شيء! (فكيف لو كنت أردنياً؟ فكيف لو كنت كركياً؟ فكيف لو كنت أسامة؟)، أسامة، نحن معك! دِب و ما عليك، اشطح ولا تتردد، يااااا شييييييييييخ رووووووووح شو كبيرها! من وجبة برياني في آخر الليل، و حتى كارلوس غصن! مروراً بالعديد من المواقف و الشطحات و المغامرات و المطاردات و المتهورات، أنتم وحوش! حقاً حفظكم الله – تعالى – و رعاكم، حقاً نِعماً في نَفسي و نِعماً في اختياراتي!

هل يشيخ العقل بعد الـ 40؟

لا أعلم السبب العلمي تحديداً، و لكن تشعر بأن الحياة في عمر الـ 40 أقصر من عمر الـ 10 و حتى الـ 20، تصل لمرحلة، ذكرناها سابقاً، و هي أنه لم يعد هنالك ما يدهشك، المعضلة ليست هنا، المعضلة تكمن في أن كمية ذكرياتك تصبح أكثر بكثير من حاضرك و حتى مستقبلك، و هنا تتساءل أكثر، هل يجب عليك عمل شيءٍ ما في هذه الحالة؟ أم أن هذا هو الوضع الطبيعي؟ هل يتطلب الموضوع مغامرة جديدة (مدعومة من أصدقائك في السن ذاته و/أو أبناء عم مخابيل) أم مجرد حماقة سريعة لتغيير الجو و خلق ذكرى و قصة جديدة؟ من العيار الثقيل هذه المرة 🎪.

على الصعيد العملي ..

لا يوجد الكثير للحديث عنه هنا في هذه اللحظة، خاصة بعد الفقرة الأخيرة في التدوينة السابقة، المدير الديكور ..، حتى إشعار آخر!

نظرية البقرتين!

تخيّل عزيزي القارئ أن البقرة الواحدة تحتوي على ما يقارب من 250 إلى 350 كيلوغرام، هل تعلم ماذا يعني هذا؟ يعني أنك تحتاج ثلاجة كبيرة، و بقرة واحدة، و بإمكانك أن تأكل من 750 غرام إلى 1 كيلوغرام من اللحم يومياً، لمدة سنة! تخيل لو كانوا بقرتين! و ما الذي تحتاجه؟ منزل صغير جداً، مقلاة و زيت و نار! هل تستطيع أن تتخيل حجم العزلة التي بإمكانك أن تعيشها بعيداً عن البشر؟ بمصاحبة البقر!

الرأي رأيك!

لقد كنت أردّد في قديم الزمان، الرأي يُعطى ولا يطلب، ثم أصبحنا نقول كما قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: “وَلا تُعْطِيَنَّ الرَّأْيَ مَنْ لا يُرِيدُهُ ،، فَلَا أَنْتَ مَحْمُودٌ وَلا الرَّأْيُ نَافِعُهْ”، ليس ذلك فقط، تجاوزنا، لقد أمسَينا نسأل الشخص، هل تود أن تسمع الرأي لكي تجمع آراءً أكثر أو لتلتزم برأيي؟ فإن أجاب بالأولى، احتفظت في الرأي لنفسي، و إن كانت الثانية، فنشارك رأينا، لم يعد لدي استعداد أن أشارك رأي شخصي و يذهب هباءً منثورة، خلقي ضيق، و مقاس حذائي قاعد يتغير ..

أما بالنسبة لرأيك أنت، للأمانة، في هذه الحياة، قد أكونُ مهتماً بكل شيء، إلا رأيك!

صحياً ..

  • يجب أن أبدأ بممارسة الرياضة! يجب عليّ ذلك! لا أعرف كيف، لا أعرف متى، و لكن يجب البدء 🏃🏼‍♂️.
  • مع بداية عام 2026، قطعت المشروبات الغازية، و الشيبس! على الأقل لغاية تاريخ كتابة هذا المقال.
  • من يعلم أو يملك قائمة الفحوصات التي يجب فعلها سنوياً، أو نصف سنوياً، نرجو أن يشاركنا بها هنا، أمام القارئين، علّ أن ينتفع بها أحدهم.

أفكار منوّعة ..

  • من التساؤلات التي تدور في ذهي أحياناً هي هل يجب ترك إرث في هذه الحياة أم لا؟ كانت لدى فكرة “إرث” و “إنما المرء حديث بعده”، كانت نظرتي مختلفة، إلى أن تمعّنت في تفسير الآية الكريمة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ …}(غافر: 78)، أنبياء – عليهم السلام – و لم يذكروا، لحكمة ما، الله – تعالى – أعلم بها، فهل هذا دافع للعمل الصالح؟ أم دافع أن العمل الصالح لا داعي لأن يُذكر دائماً؟
  • سأقول ما أريد، لا أنتظر موافقة من أحد، مع عدم كامل الاحترام و التقدير، و لكن معظمكم مهو بكفو يعلمني الصح من الغلط! و مثلنا الأعلى في ذلك هي “شيخة الخالد” – رحمها الله – عندما كانت تقول: هقلع غاد!
  • لدي كلام يجب أن يعرفه الناس، و كلام أعرفه ولا داعي لأن يعرفوه، لن أقوله، لسببين، إما أنه لن يغير شيئاً، و إما كسلاً 😁.
  • الأخ القائد الرفيق الثابت الصامد أسامة فواز الجبر كان يقول دائماً لي: أنا متأكد راح ييجي يوم و تدخل على بشنط فلوس و تقولي: خذ خذ خذ .. (لا تيأس)!
  • توزيع البلوكات! أنظر إلي جيداً ،، هل منظري منظر واحد فارقة معاه؟ عزيزي و عزيزتي، لقد خسرت من أريد في حياتي، و ما زلت حياً! عزيزي و عزيزتي، أغلى العرب في المقابر!
  • إنني سعيدٌ بالشيّب الذي في رأسي! الحمدلله.
  • ليست أفضل أيامي، و لكنني ما زلت في خيرٍ عظيم، الحمدلله الحمدلله الحمدلله 🙂.

أرذل العمر و وفاتي ..

كانت هلالة بنت عبدالكريم الرماضين الحباشنة – رحمهما الله – دائماً تقول: أموت و عجاج الطريق على ثوبي، و قد كان، ماتت كما تمنّت، المقربين من الأصدقاء يعرفون أني دائماً أردّد: “يا رب، إذا هي موتة، موتة وحدة” ..

أعزائي، المقال يحتوى على الكثير من التنقاضات التي ليست من شأنك، هي فقط مرحلة تحول، نأمل أن تستقر في سن الـ 50، أو حتى في الـ 45 أسرع لكي لا أتأخر عليكم، و لكي لا تسوء الحال أيضاً 😁.

كذلك، بدأت كتابة هذه التدوينة في شهر أكتوبر 2025، و لكنّي لم أنتهِ منها إلا اليوم، و أستطيع ملاحظة عشوائية بعض الأفكار، لا داعي لتذكيري بها، و شكراً 🤔.

المهم، الصورة التالية ليس لها أي علاقة في المقال، و لكنني سعيدٌ بها! (2023-02-18)

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *