كشافة، استعد، انتباه!

,

بعد حمد رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير المرسلين، محمد – صلى الله عليه و سلم – النبيّ الأمين، نكمل سلسلة ذكريات بعض الشخصيات في حياتنا، هذه المرة نستذكر ذكريات صف أول اعدادي (سابع) في مدرسة الرازي، التي أعيد تسميتها لاحقاً إلى مدرسة السادس من أغسطس.

في سبتمبر 1998، بدأنا صف سابع (للاختصار، سنستمر في قول: صف سابع بدلاً من الصف الأول اعدادي)، في مدرسة الرازي الإعدادية، مدرسة حكومية في منطقة المرور في أبوظبي، كانت أجواء رائعة جداً، كان مديرها الأستاذ “حسن المالكي”، الذي سعدت جداً و تفاجأت أنني أثناء كتابتي هذه التدوينة، وجدت له حلقتين بودكاست جميلات جداً: الحلقة الأولى، الحلقة الثانية، بعد 28 عاماً، أنا سعيد أن أراه مرة أخرى و سعيد بالتعليقات على الحلقتين!

أراد الأستاذ حسن المالكي أن يقوم بتجربة جديدة في المدرسة – على حظنا – و هي أن يقوم بجمع من كان ترتيبه أول و ثاني و ثالث في صف سادس، و جعلهم في صف واحد، ثم قام بإضافة الترتيب الرابع (و قد كنت منهم) و الخامس حتى يكتمل العدد، و ياله من صف، عبارة عن دحيحة و عباقرة، و القليل من قلة الأدب.

تخيل أن تضع طلاباً نسبة الخطأ عندهم قليلة نسبياً، مع مدرسين مطلوب منهم التعامل مع هذا الذكاء في هذا الصف، و تتوقع منهم أن يكونوا متوافقين! من سيفرض شخصيته على الآخر؟

نستذكر بعض الأسماء التي حضرتني أثناء الكتاب: محمد عبدالرحمن الشاعر هجّو (حافظ القرآن الكريم)، محمود عزمي أبو لبدة، أحمد صلاح، علي ناصر (مطعم اليمن السعيد)، محمد جمال (الراسب الوحيد)، حسين فضل الله (كان يمارس التقيّة – واضح من الاسم)، عبدالله سمير و شقيقه أحمد سمير، و أسامة بن زيد – رضي الله عنه -.

نبدأ بمحور قصتنا، الأستاذ الفاضل “طارق بسيوني حمادة”، الاستاذ طارق، كان حينها حديث عهد بالإمارات حسب ما أذكر، أتى لمدرستنا، و رأى أنه لا يوجد فرقة كشافة في المدرسة، و كانت بالعادة هذه مسؤولية مدرس التربية الرياضية، كان حينها الأستاذ نصر، و كان غير مهتماً بهذا، فقام الأستاذ طارق بسيوني حمادة بالتصدي لهذا الدور، و هيا بنا نعلن تأسيس فرقة كشافة في المدرسة!

من أين سيأتي الأستاذ بطلاب لفرقة الكشافة؟ ببساطة، دخل علينا في الصف، ثم تنهد و قال: بصّوا يا رجالة، كلنا حنبقى فرقة كشافة مع بعضينا كدا و نبقى نشوف حنعملها إزاي 🤣🤣🤣🤣.

هو كان أستاذ رائع، فتخيل يطلب منك طلب و تفشله؟ لأ طبعاً! نحن معاك أستاذ، روح و ما عليك.

قررنا نشارك في معسكر كشفي في مخيم السمحة الكشفي، يعتبر على الطريق الواقع بين أبوظبي و دبي، من المواقف التي بقيت عالقة في الذاكرة فيه، هو ما فعله أحمد صلاح، أحمد صلاح حرفياً طبق المقولة المنسوبة لغسّان كنفاني: “يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كِسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم، يالوقاحتهم!!

تخيل أن أحمد صلاح سرق السجائر من حقيبة الأستاذ طارق بسيوني حمادة، ثم عندما شك الأستاذ في نفسه أنه قد يكون نسي السجائر في أبوظبي، ظهر أحمد صلاح كالبطل القومي بالنسبة له، و قدم له السجائر و قال له: “بس ما تئولش قدام باقي الطلاب إني بدخّن عشان السمعة” 🤣🤣، مصريين في بعض، لا تدخلوا إنتوا.

في نفس المخيم، أذكر بعد ما المخيم ينام، يستيقط أحمد سمير، و يصرع الخيمة كلها: عبدالله، يا عبدالله، قوم يا عبدالله، قوم خد حباية الدواء يا عبدالله، تقوم الخيمة كلها تسب على أحمد سمير، و عبدالله بعده نايم، تقوم الخيمة كلها تصب الماء على عبدالله عشان يصحى، يصحى مفزوع و يقول: في إيه؟؟؟؟ في إييييييييه؟؟؟؟ و الشباب كلهم في الخيمة بصوت واحد: قوم خذ حباية الدواء يا عــــــــــــــبدالله هههههههههههههههههههههههههههه ..

على سيرة أجواء الطخطخة و الشباب، كان من ضمن التدريبات، على فك و تركيب السلاح، تطورت المنافسة و أصبحت فك و تركيب السلاح مع تغطية العيون، فزت فيها على مستوى الكشافة و تم تكريمي حينها من أحد أبناء الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لا أذكر من كان في حينها، قبل أن تختفي هذه المواهب مع العمر لاحقاً.

في إجازة بين الفصلين، و ببرودة شهر فبراير، ذهبنا إلى مخيم آخر على مستوى الدولة، مخيم الخرّان، في إمارة رأس الخيمة، و بمشاركة فرقة عُمان أيضاً، كان هناك العديد من من المواقف الجميلة، سواءً مع مدرّسنا و قائدنا، أو قائد فرقة أبوظبي في حينها الأستاذ محمد الكحلوت.

منها يوماً أن القائد محمد الكحلوت استيقظ مبكراً و مشتطاً من الغضب بسبب أن كشافة أبوظبي أخذت أقل تقييم في الكشف الصباحي، السبب؟ نايمين! تأخرنا في السهر، في اليوم التالي، استيقظ عند صلاة الفجر، وجدني مستيقظاً، نظر إليّ و قال: ما اسمك؟ قلتله: أسامة حباشنة، (نعيد الطرفة): ثم تنهد و قال: شوف يا حباشنة، الشباب بعدها نايمة، من اليوم لآخر المخيم إنت قائد الكشافة، دعنا نرى ماذا سوف تفعل!

دخلت خيمة خيمة، و بكامل السلطات الدكتاتورية، استيقظ الجميع، استعدوا للصلاة، صلّوا، ثم عدنا لترتيب منطقة كشافة أبوظبي كاملة، بعدها بساعة حان وقت التفتيش الصباحي، تهانيناً لكم، لقد فازت كشافة أبوظبي بالمركز الأول! هيا هيا احملوا أسامة على الأكتاف و ارفعوه عالياً.

كل هذا تحقق الحمدلله، و القائد محمد الكحلوت لا يعلم أنني لم أكن قد استيقظت مبكراً يومها، بل كنت سهراناً و مواصلاً و لم أنم ليلتها أصلاً و وجدني في المعسكر و اعتقد أنني من المواظبين على القيام مبكراً 🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣.

أستاذنا و قائدنا طارق بسوني حمادة، انبهر، سألني: عملتها إزاي يا أسامة؟ أجبته: هو إنت قد الأحرار؟ بمزح بمزح، أجبته: عشان تعرف بس إننا رافعين راسك في كل مكان و زمان 😎😎.

يا الله، أيامها أذكر كان نص الطلاب بعد ما يخلصوا التدريب الصباحي، تلاقيهم في الحمّام، يتحمموا؟ لأ! يرتاحوا؟ لأ! يدخنوا؟ لأ! كانوا فقط يذهبون إلى الحمّام حتى يستطيعوا شحن الهواتف المحتركة!

إلا أسامة بن زيد، كان معه الهاتف “الكاتل” و الذي كنا نضع فيه بطاريات إضافية!

في المخيّمات الكشفية، بالعادة هناك فقرة “السمَر” بعد صلاة العشاء، حيث تقوم كل فرقة كشفية بتقديم فقرات، بمختلف أنواعها، أصبحت بالأربعين من عمري، و ما زلت لا أستطيع تخطي الأجواء المصرية التي كان يقوم الأستاذ طارق بسيوني حمادة بدفعنا لتقدميها، و التي كنا نهرب منها منعاً للفشلة، هذه الإمارات و ليست مصر يا عزيزي 😏.

على صعيد آخر، من فرط الثقة في إمكانياتنا، أقصد الصف المختار، بعد إحدى المخيمات الكشفية، قام الأستاذ طارق بسيوني حمادة بإعطائنا ورقة مراجعة للإمتحان، لم نقم بمراجعتها لأننا عبارة عن مجموعة من الأذكياء و العباقرة التي لا تحتاج لحل مثل هذه الأوراق، جاء الإمتحان، و كان الإمتحان نفس الورقة تماماً، تماماً تماماً، لم يغيّر فيها أي شيء، و لم يستطع أي طالب أن يحصل على العلامة الكاملة! كانت بمثابة درس لنا حتى نتعّظ ولا نتكبّر على العلم و المعرفة مهما كانت.

من المواقف الكوميدية الأخرى التي حصلت معنا في حينها:

  • دخلت مرة على الأستاذ في مكتبه و كان يتباهى بشهادته الجامعية، و قال لي: بص يا أسامة، أنا آدي شهادتي، خريج جيّد جداً، مش زي المدرس إللي قاعد هناك أهو، قمت أنا و قلتله: أحلى أستاااااااااااااااااااذ و ضربته قفا على رقبته، أيواً أيواً نفس ما قرأت، لا أدري ماذا كنت متعاطياً وقتها! نظر إليّ و هو لا يدري ماذا يفعل و قال: إيه دا يبني؟ إيه دا؟ هي وصلت بينا للدرجة دي؟ سحبت حالي و طلعت أكمل الفسحة و ولا كأن صار شي.
  • من أساليب تحسينه للغتنا الإنجليزية، أنه كان يدعنا نحضر أفلاماً باللغة الأنجليزية، و لكننا لم نكن طلاب تعليم، فكنا نحضر الأفلام باللغة العربية في حصة اللغة الإنجليزي 😁، من ضمنها فيلم “الأسد الملك – The Lion King”، في الجزء الأول، هناك مشهد عندما يسأل سيمبا عمّه سكار: و إنت لما تكبر حتبقى إيه؟ أجب سكار: حبقى طيشة! و لأنها كلمة مصرية، أضاع علينا باقي الفيلم لكي يقوم بتشغيل النسخة الإنجليزية لكي يرى ماذا كانت الكلمة الأصلية باللغة الإنجليزية قبل الدبلجة المصرية، على كل حال، كانت: Nothing!

بما أننا أتينا بذكر مدرسة الرازي، و هذا الصف، نستذكر بعض المواقف الأخرى:

  • لا أذكر ماذا كان اسم مدرس التاريخ، و لكنني أذكر لقبه “زيكو”، ذات مرة في الاستراحة بين الحصص، قام الصف كله بالتطبيل على الطاولات و جميعهم بصوت واحد: زيكو، زيكو، زيكو، زيكو، زيكو، زيكو، زيكو، و كان هناك حشد من طلاب الصفوف الأخرى و المدرسين الذي أتوا لكي يروا ماذا يحدث في الصف، دخل علينا زيكو و انزعج من صوت الطلاب الذي كان يصل إلى ساحة المدرسة، فوراً قام بالنداء على: محمد، محمود، أحمد، حسين، أسامة، حسين، قوموا عند السبورة، شوفوا هو المشهد كوميدي شوي، زيكو قال وقفوا حسب الطول، وقف محمود عزمي أبو لبدة أول واحد، و أسامة بن زيد آخر واحد 😁، وقفنا نفس إشارة الإرسال في التلفونات 📶، بدأ بمحمود عزمي و كمل و كمل و كمل و كمل و منظر الشباب بضحّك، بس جاييني الدور، وصل الدور لعندي، أول ضربة، أول ضربة بس، أول ضربة فقط، انكسرت العصى 🤣🤣، نجونا و رب محمد.
  • رسب طالب واحد فقط في الصف، و هو محمد جمال، محمد كان يا لأب إماراتي و أم سورية، أو أب سوري و أم إماراتية، لا أذكر، المهم أنه أتانا في منتصف العام الدراسي و لم يستطع التأقلم مع المنهاج الإماراتي، فأعاد السنة.
  • هناك طالب رسب في الإمتحان النهائي، و هو علي ناصر، علي ناصر لم يكن بحاجة أصلاً للتعليم، والده كان يمتلك مطعم باب اليمن السعيد في أبوظبي، و لكنه كان مؤمنا بأهمية التعليم، علي ناصر لم يحضر الجلسة الثانية من إمتحان اللغة الإنجليزية، ليس أنه لم يدرس، أو أنه غير مهتم، الموضوع أنه فقط نسي أن هنالك جلسة ثانية للإمتحان! فأعاده في الإمتحانات التكميلية و نجح، الحمدلله.
  • في أحد الأيام أثناء ما كان أحمد صلاح قادماً للمدرسة، لحقته أمه لكي تعطيه غرضاً للمدرسة قد نسيه في المنزل، أحمد كان يدخّن السيجارة، عندما رأى أمه، قام بابتلاع السيجارة في فمه، و مرة أخرى قام بإطفائها بيده و أدخلها داخل جيبه عندما رأى أحد المدرسين.
  • في الصف الثامن أو التاسع، كان معنا طالب اسمه حمد بن ظافر بن سحمي الأحبابي، والده دخل المدرسة مرّة واحدة في الحياة، و كانت في اليوم الذي قرر حمد و بعض الطلاب الهروب من المدرسة! ليعود حمد قبل انتهاء الدوام بقليل و يجد والده في انتظاره في المدرسة و يقوم بتذكيره في أهمية المدرسة “بطريقة تقليدية جداً” 🏃‍♂️🏃‍♂️.
  • في الصف الثامن أو التاسع، أتوا لنا بمدير مدرسة جديد، الأستاذ إبراهيم المطوع، كان رائعاً، كانت أبوظبي للتو افتتحت “مركز مدينة زايد التجاري”، و كان به صالة ألعاب جميلة في حينها 🎮، قمنا بالهروب إليها أكثر من مرة، مدير المدرسة قام بتأديبنا بطريقة رهيبة جداً، قام بتركنا نهرب دون أن يكلمنا، و كان يعلم أننا ذاهبون للمركز التجاري، و ثاني يوم مباشرة، قام باستدعاء أولياء أمورنا، الدليل؟ قام بتصويرنا بالكاميرا و نحن نقفز من فوق الصور و قام بتصويرنا و نحن في ساحة الألعاب في المركز التجاري 📸، و شكراً 🤣.
  • في الصف الثامن، كان هنالك منافسة شديدة في فن القرض، و للمهتمين، فإن المعنى اللغوي لكلمة قرض يأتي بباب الذم أيضاً، و هي فن ذم الآخرين و إطلاق النكت عليهم، قبل أن يتخنّث الطلاب و يصبحون نواعم و يطلقوا عليه: تنمّر! كل الشكر و القتدير ليوسف السوداني و علاء أبو عيون خضر على تلك المنافسات التاريخية.
  • كان عندنا طالب من كثر ما هو لونه غامق، مسمينه: كلاوي.
  • ضربني مرة أستاذ مادة كانوا استحدثوها في تلك الفترة، تربية إجتماعية أو مهارات حياتية، شيء من هذا القبيل، أحضرت تقرير طبي و قمت بتصعيد المسألة و و و و و و و و و اقتنعت بكلام مدير المدرسة و كسرنا الشر، بعدها بفترة بسيطة جداً، قام طالب جديد في المدرسة كان اسمه ياسر و يشجع نادي النصر (دبي) و راسب مرتين بالتلاسن مع نفس الأستاذ و طرحه أرضاً.

من المواقف الجميلة أيضاً:

  • كان مدير المدرسة يطيل الاستراحة بين الحصة الأخيرة و ما قبلها إلى خمسة عشر دقيقة، و يقيم صلاة الظهر جماعةً في ساحة المدرسة، جزاه الله خيراً.
  • كانت مدرستي دائماً قريبة من المنزل، الحمدلله، في أحد المرات أثناء فترة الإمتحانات، مللت من المشي دائماً بين المدرسة و المنزل، أوقفت دورية الشرطة و سألته: أليست الشرطة في خدمة الشعب، قال: بلى، فقلت له: وصلوني البيت! قال: يا بنيّ اركب معنا، و وصلني البيت، دعابة، قال: حيّاك و أوصلني بالدورية 😀.

رحم الله الأموات و الأحياء المذكورين أعلاه و المسلمين، و أدخلنا فسيح جنّاته..

المهم، الصورة التالية لشهادة تقدير وجدتها أثناء ترتيب بعض الذكريات القديمة.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *