مع “ال التعريف”، لـ المدير الديكور، نبدأ تدوينة جديدة عن مواقف في هذه الحياة تبعث إلى بعض التساؤلات عن جدوى وجود بعض الأشخاص من حولنا.
بعد الصلاة و السلام على خير البشر، سيّدنا محمد – صلى الله عليه و سلم -، و الترحّم على والدنا زيد الحباشنة، نستحضر أحد الشخصيات اللطيفة التي مرّت في حياتنا، هو النقيب: عبدالله بن حرّان المنصوري، المشرف في مركز اسعاد المتعاملين في مديرية المرور و الدوريات في إمارة أبوظبي، و آمل أن لا يمانع من سرد هذه القصة حيث أنني لم أتمكن من أخذ موافقته عليها قبل ذكر اسمه.
أثناء عملنا في شركة عونك ليموزين و كونسيرج، كنا نحتاج أحياناً إلى بعض الاستثناءات في نظام المرور، كمثال، عند بيعنا لأحد المركبات، يجب علينا سداد جميع المخالفات المرتبطة بهذه المركبة (و هو أمر مفهوم)، و جميع المخالفات التي لها أكثر من ستة أشهر على جميع المركبات الأخرى التابعة للشركة (و هو أمر مفهوم و لكن أسامة لا يستطيع الالتزام به دائماً)، كان ذلك يشكّل أحياناً عبئاً مالياً ثقيلاً على الشركة، أحياناً كثيرة لا تفضّل أن تتحمله الآن، فالأسباب و الحلول الأخرى وفيرة، كأن تدفعها أولاً بأول و خصمها من السائقين (و تدخل في اجراء آخر مع وزارة العمل لكثرة الخصومات على الموظفين)، أو الحل المثالي في أبوظبي هو تحويلها لمحكمة المرور، و يقوم القاضي بخصم يقارب نسبة الـ 50% من قيمة جميع المخالفات في الطلب و تدفعها دفعة واحدة! و لكنه قد يأخذ مدة لا تتجاوز الأسبوع كحد أقصى.
و لكن، هل من المنطق أن ينتظر أسامة بن زيد هذه المدة؟ لماذا تنتظر و الدولة تقدّم لك من يسهّل حياتك في مركز اسعاد المتعاملين!
كل ما عليك فعله هو كتابة رسالة إلى النقيب، موضّحاً فيها الرمز المروري للشركة و رقم المركبة المراد بيعها أو نقل ملكيّتها، و إخباره بأن المخالفات المرتبطة بالمركبات الأخرى للشركة مبلغها ثقيل في الوقت الحالي، فقط لا غير، ينظر إليك، و يخبرك – و أنت لم تكمل الدقيقة منذ أن سلّمته الرسالة -: تم وضع استثناء في النظام لرمزك المروري، بإمكانك الآن الدخول للخدمات الإلكترونية و إجراء ما تريد في جميع المركبات الخاصة بك دون تطبيق جميع الشروط لمدة 48 ساعة.
أعجبني! أعجبني تفهّمه، أعجبتني سرعة رده، أعجبني قدرته في حل المشكلة، أعجبني قدرته في التيسير على الناس، ليس فقط لطلبنا، بل للمتعاملين الآخرين الذين لديهم حالات قد تستدعي استثناءات أخرى!
كررنا الطلب عدة مرات، و أحياناً كنا نخجل أن نسيء استغلال هذا الاستثناء، إلى أن أتت جائحة كورونا، كان لا بدّ من الطلب المتكرر للاستثناءات، حيث أنه كنا قد وصلنا إلى طريق مسدود مع عدة جهات، فكان لزاماً علينا أن نتخلص من بعض المركبات، سواءً لبيعها و الحصول على سيولة نقدية، أو إنهاء عقود مع مستثمرين، أو تسويات مع بنوك.
في إحدى المرات، نظر إلي النقيب عبدالله بن حران المنصوري، و قال لي: “أسامة، مب كل يوم”، يعني افهم يا أسامة أنني لا أستطيع أن أمنحك هذا الاستنثاء كثيراً في هذه الفترة 👨✈️.
أكيد أستطيع تقبّل ذلك، فهو لم يقصّر معنا أبداً، و لكن يجب عليّ أن أجد حلاً، أو أن نصنع واحداً، لم أتأخر كثيراً، ذهبت إلى مكتب المدير، لا أدري هل هو من الثقة الزائدة أحياناً، أو من حسن حظي، و قبلهم توفيق و تيسير من الله – عزّ و جل -، وجدت نفسي أمام مكتب العميد أحمد سيف بن زيتون المهيري، و الذي كان في تلك الفترة يشغل منصب مدير قطاع العمليات المركزية في شرطة أبوظبي، ثم ترقى إلى رتبة لواء، و تم ترقيته في تاريخ 2-1-2025 ليصبح القائد العام لشرطة أبوظبي، استقبلني مدير مكتبه، و شرحت له الموضوع، و أخبرني أنه لا مشكلة، سيتم حل الموضوع بإذن الله بمجرد وصول سعادة اللواء، أو بإمكانك الذهاب إلى المكتب الفلاني و ستجده هنالك بمجرد انتهاء الاجتماع.
لا أمانع دخول مكتب آخر! ذهبت و كان في استقبالي أحد الضباط اللطيفين أيضاً، المقدم أحمد البلوشي – بو حامد -، بعد الترحيب و التعريف و ضيافتنا و شرح الموضوع، قال لي: ابشر يالأردني!
للمرة الثانية، لا أدري هل هو من الثقة الزائدة أحياناً، أو من حسن حظي، و قبلهم توفيق و تيسير من الله – عزّ و جل -، و لكن دخل أحد الأشخاص إلى المكتب، سلّم و رحّب على بو حامد، سلّم و رحب على أسامة، ثم نظر إلى بو حامد و أخبره: شو عنده الريّال هني؟ جاوبت أنا: أدوّر استثناء، عندك؟! 😃
شو الموضوع؟ كذا و كذا و كذا، و ها نحن بانتظار العميد بن زيتون لينهي اجتماعه، نظر إلى و قال: “بس چي؟” (يعني فقط هكذا؟)، أجبته: نعم! اقترب إليّ، أخذ الورقة من يدي، سحبني من يدي، أنزلني معه إلى الطابق الأرضي لمركز إسعاد المتعاملين، نظر إلى الموظفين، و معهم النقيب العزيز عبدالله بن حران المنصوري و قال: “متى ما ياكم هذا الريّال، تعطونه استثناء شهر على النظام، مب يوم ولا يومين”، الجميع يجيب: حاضر سيدي، حاضر سيدي.
أقسم بالله قمة في السعادة و الفرحة، الحمدلله يا رب!
شكرته، أنهيت موضوعي، ثم عدت إلى مكتب بو حامد لكي أشكره أيضاً على وقته و على الفرصة السعيدة بزيارة الضيف له أثناء انتظارنا، و سألته من كان ذلك الشخص، أخبرني أنه سعادة العميد سالم بن عبدالله بن براك الظاهري، نائب مدير مديرية المرور و الدوريات في شرطة أبوظبي في وقتها، تم ترقيته إلى منصب مدير عام هيئة أبوظبي للدفاع المدني بتاريخ 5-3-2025، بالتوفيق يا رب.
لم تنتهِ القصة بعد، و لم نصل لمحور حديثنا حتى.
عدت بعد فترة للنقيب عبدالله بن حران المنصوري طلباً للاستثناء الشهير 😁، لا أعلم ماذا خطر على باله في تلك اللحظة، و لكنها كانت أول مرة يقرر أن يقرأ إسمي كاملاً! ثم تنهّد و قال: إنت حباشنة؟؟ حباشنة حباشنة؟؟ من الكرك؟؟
حدّثتني نفسي و قالت: أنا ما صدقت خلصت من ذاك الشُّحَيم (1-3) ..، تطلعلي بدعة جديدة الحين! لا حول ولا قوة إلا بالله.
أجل يا حضرة الضابط، أنا من الحباشنة، من الكرك؟ فسألني: لماذا لم تخبرني بذلك سابقاً؟ أجبته: صارلي سنتين كل شوي و جاييك في طلب استثناء و الاسم مكتوب فيه كامل حسب الهوية، كان جوابه: ياخي نحن نعرفك بأسامة عونك أو أسامة ليموزين 🤣.
ينتهى النقاش هنا؟ كلاً، يُكمل النقيب و يقول: دام العميد عطاك استثناء شهر، أنا بعطيك شهرين! تامر أمر، تراني خريج جامعة مؤتة – الجناح العسكري – عندكم في الكرك!
يا ربّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه، بصوت فارس عوض، سبحان الله، و الحمدلله، و لا إله إلا الله، و الله أكبر! من بين جميع الخريجين الإماراتيين من جامعة مؤتة، رزقنا الله – تعالى – بالنقيب عبدالله بن حران المنصوري!
و من باب صرنا واصلين و واصلين، ذهبنا إلى الطابق الآخر لنسلّم على بو حامد، بمجرد أن دخلت مكتبه قال لي: حاول تطلع قبل لا يشوفك العميد بن برّاك، قلت له: لماذا؟ ردّ و قال: أمزح أمزح شوي و جاي و استعد! جلسنا قليلاً، و دخل العميد، ثم نظر إلى و قال لي – بعد السلام -، تعرف إنك كنت بتتحول لمكافحة الفساد بس بو حامد تدخّل و طلب منّي ألا أفعل ذلك و شرح لي السبب؟ أنا؟ أسامة؟ ليش سعادتك؟ قال لي: أنا يوم خدمتك، خدمتك لأنها وظيفتي و تسهيلاً عليك و على المتعاملين بصفة عامة، ليس لترسل لمكتبي صينية شوكولاته و بطاقة شكر 😄.
وجهي أصبح مثل هذا الإيموجي: “😅”، حقاً؟ فسألته، و ماذا قال بو حامد حتى غيّرت رأيك؟ قال: “سعادتك هذا أردني و ليس (*******) حتى تخدمه ولا يشكرك أو يقدم لك هدية بسيطة، و يجب أن تتوّقع أنه سوف يعزمك إلى الغداء”، أخبرت العميد: بالضبط سعادتك، كما قال بو حامد 🤣🤣.
قبل أن نذكر أهم فقرة في القصة، يجب أن نذكر شرطة أبوظبي – أتكلم عنها نظراً لكثرة التعاملات مع إداراتها المختلفة -، و آمل أن يكون جميع ما سيذكر قابل للنشر، لديها سجل رائع جداً في هذا الموضوع معي شخصياً، على سبيل المثال:
- تجد مدير دائرة الجنسية و الجوازات متواجداً على مكتب خدمة العملاءً صباحاً لكي ينظر في الحالات التي تتطلّب استثناءات مباشرة دون تأخيرها أو تعطيل الناس.
- في إحدى المرات، أيضاً في دائرة الجوازات، احتجت تواجد الشريك المواطن، و لكنه كان في الخدمة الوطنية (مشابه لبرنامج خدمة العلم الأردني)، ذهبت للمدير المسؤول و قال لي: بسيطة، أحضر فقط أحد الأخوة المتواجدين مع شريكك في نفس خلاصة القيد (دفترة العائلة) و سأوقع على الاستثناء المطلوب لكي تستطيع استكمال إجراءاتِك.
- اضطررت في حالتين منفصلين للاتصال على أحد الضباط الساعة العاشرة مساءً مرة و مرة أخرى الساعة الواحدة و النصف بعد منتصف الليل، لتسجيل مركبات، و لم يمانعوا بتاتاً في تسهيل الاجراء و ارسال موظفيّن إثنين و فتح المركز، أحدهم لإنهاء الإجراء من قبل إدارة المرور و الآخر من مصنع طباعة لوحات (أرقام) السيارات!
- السماح مرة بتسجيل مركبة لي موديل عام 1969 مع بعض الشروط الخاصة للسير على الشارع حفاظاً على سلامة الطريق.
- في إحدى المرات كان المراجع، عند الموظف الآخر، يريد استثناءً، حيث أنه يملك طلب من نوع آخر، يريد تجديد ملكية مركبة خارج الدولة، مما يعني تجاوز الفحص الفني للمركبة، أخبره الضابط: لدينا على النظام ورقة تسفير السيارة (أي السماح لها بمغادرة الإمارات) و لكننا نريد اثبات معتمد أن المركبة ما زالت في الدولة التي ذكرتها، و سنقوم بتجديد ملكيتها مباشرة بعد دفع الرسوم، أكيد هذا الاستثناء لا يُمنح لأي شخص، و لكنها إحدى المركبات التي تحمل اسم الشخصية الأعلى في الدولة.
الخلاصة و العبرة – قبل استكمال الجزء الثاني من التدوينة -، في إحدى الزيارات للنقيب عبدالله بن حران المنصوري، دخلنا في نقاش عن الاستثناءات و الحاجة الحقيقية لها و كيفية التعامل مع الناس و هل فعلاً يستحقونها أم يستغلونها، و أنه – النقيب – قد واجه مسائلة عليها، كان جوابه رائعاً، رائعاً جداً، و هو ما دفعني لكتابة هذه التدوينة، قالي لي: “يوم ما يبون استثناءات، ليش يحطون مدير؟ خلّهم بس موظفين خدمة عملاء و خلاص!“
يعني، بإعادة ترتيب الكلمات، إذا كانت الإدارة لا تريد منح الناس استثناءات لطلباتهم أحياناً، فلماذا يقوموا بتعيين المشرفين و المديرين؟ فليكتفوا بموظفين خدمة العملاء و و الخدمات الإلكترونية و انتهى الأمر!
لماذا أقول هذا الكلام؟ و لماذا أذكر هذه القصة تحديداً؟
في هذه الأيام، تقدمت لمؤسسة المُلك بطلب استثناء لمشروع معيّن، لم تتم الموافقة عليه لغاية اللحظة، و لا حتى الرفض أمانةً، و قد يكون الوقت مبكراً لكتابة هذا، و لكن في الاتصال الوحيد الذي ورد رسمياً منهم لغاية اللحظة، كرر الطرف المتصل جملة: “بس هذا ممنوع عندنا في الأردن” ما يقارب الخمس مرات، في نفس المكالمة، بعد ذلك التكرار، لم أملك إلا أن أُجيبه و أقول له: “أنا لو مش بحاجة استثناء لهذه المنشأة، ما كنت قدمت الطلب لمؤسستك و انتظرت موافقة أهل المُلك”، سكت الطرف الآخر ثم أجاب: سوف أعود لك في وقت آخر بعد مناقشة الأمر داخلياً.
كم شخص منكم يملك مدير لا يمكنه حتى تبديل كرسي مكتبه؟ وجوده و العدم واحد؟ لا فائدة له؟
أنا في غنى عن ذكر مواقف أخرى في الوطن عن هذا الموضوع، سواءً في إدارة السير أو دائرة مراقبة الشركات، أو الإتحادات الرياضية، أو حتى مدينة الحسين للشباب، ما يهمّني حالياً هو هذه المؤسسة، و التي حرفياً تملك القرار و الاستثناء، يجيب ممثلها: “بس هذا ممنوع عندنا في الأردن”، دون حتى أن يسمع كامل التفاصيل أو يجتمع بنا لمناقشة كيفية جعلها أمراً قانونياً أو إيجاد حلول أخرى مناسبة، مشروع قيمته تقارب ميزانية بعض بلديات المحافظات في الأردن!
لك أن تتخيّل عزيزي القارئ، كم معاملة و كم إجراء يصل للمدير و لا يوافق عليه أو لا يملك صلاحيات حتى لعمل استثناء، أو استثناء مشروط! مديرٌ على مَن أنتَ؟
المهم، الصورة التالية ليس لها أي علاقة في المقال، و لكنني سعيدٌ بها! (تصوير: محمد ماهر عبدالمجيد حباشنة)

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
معلومة ليس لها داعي، كان يجب نشر تدوينة بعنوان: “حتى إذا بلغ الأربعين” قبل نشر هذه التدوينة، و لكن تم عمل استثناء من قبل المدير أسامة بن زيد حيث أنه يملك الصلاحيات في مدونته!
هذه المرة فعلاً و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

اترك رداً على تامر إلغاء الرد